محمد أبو زهرة

2136

زهرة التفاسير

يتجه إليه ، وقد أودعه الله سبحانه وتعالى مع ذلك عقلا به يميز الخير من الشر ، والطيب من الخبيث ، ويعتبر بماضيه وحاضره ، وحاضر غيره وقابله . ولا بد من زواجر اجتماعية تنبه الضال ، حتى لا يستمر في ضلاله ، وتوضح له بالعيان عقبى الشر ، وثمرة الخير . وهذان أخوان أحدهما غلب عليه الخير ، حتى أنه لم يبسط يده ليقتل أخاه ، مع أنه رأى بوادر الشر ، والثاني غلبه الشر ، حتى أنه ليستعديه الحسد على أخيه ، فيقتله ، ولقد ذكر الله تعالى في سابق الآيات ما كان من ابني آدم ، ويذكر هنا ما سنه من نظم ليرى فيها النازعون إلى الشر ما يردعهم ، فقال تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من جراء هذه الجناية التي ارتكبها أحد ابني آدم ، ودلالتها على تغلغل الشر في نفوس بعض الناس ، واستعدادهم لأن تكون منهم الجريمة في كل وقت وحين ، كان لا بد من رادع زاجر مانع ، وهو العقاب - ف « أجل » هنا معناها جناية ، وقد فسرها كذلك اللغويون في معاجمهم ، فذكر ذلك ابن منظور في لسان العرب ، وذكره الأصفهاني في مفرداته ، فقال : والأجل الجناية التي يخاف منها آجلا ، فكل أجل جناية ، وليس كل جناية أجلا ، يقال فعلت كذا من أجله ، قال تعالى : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، أي من جراء ذلك ، وقد فسر الأجل بالجناية أكثر المفسرين ، وقد حقق الطبري الأصل اللغوي واستشهد بقول الشاعر : وأهل ضباء صالح بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله « 1 » يعنى بقوله : أنا آجله أي أنا الجار عليهم ذلك والجاني . وقد أشار الأصفهاني إلى معنى جدير بالنظر وترديده ، وهو أن الأجل هو الجناية التي يخاف منها آجلا ، أي تكون لها عواقب وخيمة على الأشخاص ، أو على الجماعات ، أي الجناية التي لا تنتهى مغبتها بوقت وقوعها ، بل يكون لها آثار

--> ( 1 ) قد استعمل الشاعر التورية فعبر ب ( آجله ) في مقابل ( عاجل ) ، وأراد المعنى البعيد .